كتب / عبد الله السلايمةبداية، لا إصلاح قبل الاعتراف بالحقيقة. والحقيقة التي يجب مواجهتها اليوم هي أن غياب أدباء المحافظة الكبار عن الساحة كان السبب المباشر للترهل الذي أصاب نادي أدب العريش. فالتراجع لم يظهر فجأة، بل جاء نتيجة طبيعية لفراغ تركه الذين كان يُفترض أن يقودوا العمل الأدبي، ويشكّلوا الركيزة التي يستند إليها النادي للحفاظ على دوره.ومع غيابهم، تقدّم الناشئة إلى الواجهة، حاملين شغفهم وحماستهم، محاولين إدارة كيان يفوق خبراتهم المتاحة. وليس في ذلك عيب؛ فالشباب لهم الحق في إعلان حضورهم، والسعي لصناعة أثرهم في المشهد. بل إن حماستهم تُحسب لهم. غير أن الثقافة لا تُدار بالنوايا الطيبة وحدها، بل بمزيج من الخبرة، والوعي، والتجربة. لذلك تقع المسؤولية أولًا على من تركوا الساحة فارغة، ثم عادوا يتساءلون عن سبب اهتزاز البوصلة!ومن هنا تأتي الدعوة الصادقة إلى الأدباء الكبار للعودة لتحمّل المسؤولية، بدعم وتوجيه الشباب، والإشراف على الحراك الأدبي، لا الاكتفاء بالمراقبة من بعيد. فالشباب بحاجة إلى الخبرة، والنادي بحاجة إلى الجميع، والمشهد كله يحتاج إلى روح تضامن لا تُقصي أحدًا.وفي هذا الإطار، يبرز الدور اللافت للأستاذ سعيد عيسى، رئيس الصالون الثقافي، والأستاذ عادل رستم، عضو الصالون، من خلال مشاركتهما الفاعلة في مناقشة الشأن الأدبي والثقافي بالمحافظة، وإسهامهما في جلسات الاستعداد لانعقاد مؤتمر أدباء مصر العام في العريش نهاية الشهر الجاري. لقد قدّم الاثنان نموذجًا راقيًا لما يجب أن يكون عليه دور المثقف حين يعود إلى مسؤوليته تجاه بيئته الثقافية، خطوة تبعث الأمل وتعيد الثقة بين الأجيال.وتتزامن هذه التحركات مع لحظة فارقة من تاريخ شمال سيناء والعريش على وجه الخصوص؛ فالمحافظة على أبواب حدثين بارزين: انعقاد المؤتمر العام خلال الفترة من ٢٦ - ٢٩ الشهر الجاري بمدينة العريش، وإعلان شمال سيناء عاصمة للثقافة المصرية لعام ٢٠٢٦. وهما محطتان كبيرتان تمثلان فرصة ذهبية لإبراز الوجه الحقيقي للمشهد الثقافي في شمال سيناء، وإعادة ما تراجع من حضورها، وتقديم طاقاتها الإبداعية.المرحلة المقبلة تتطلب تضافر الجميع: كبار الأدباء بخبرتهم العميقة، الشباب بحماستهم المتجددة، الصالون الثقافي بدعمه المستمر، والمؤسسة الرسمية بإمكانياتها ورعايتها. ولا يفوتني التنبيه إلى أن شمال سيناء في أمسّ الحاجة إلى مشروع ثقافي شامل يقوم على رؤية مشتركة، تُعلي قيمة التعاون، وتجمع الطاقات تحت مظلة واحدة.وما لم يتكاتف الجميع، سيظل النادي، ومعه المشهد الثقافي، يدور في الحلقة نفسها. أما إذا التقت الحكمة بالتجربة، واجتمعت الحماسة بالإبداع، فسيعود نادي أدب العريش بيتًا جامعًا للأدباء، وتستعيد المحافظة مكانتها المستحقة على خريطة الثقافة المصرية.إن اللحظة تستدعي إخلاصًا لا التباس فيه، وعملًا صادقًا يضع مصلحة المحافظة فوق كل اعتبار. عندها فقط سيعود صوت العريش الثقافي عاليًا كما كان، نابضًا بروح أبنائها، ومعبّرًا عن تاريخها العريق وطموح مستقبلها.والله من وراء القصد.
التعليقات
٠التعليقات مغلقة على هذا المقال.